في عبور العشوائية: 4- ملعقة ملح خشن

 

009l

 

أتمنى أن أصنع صديقاً في أقرب وقت. هكذا قال رجلٌ فقد امرأة يحبها وتعلَّم بعدها أن الحب كالعُمر، لا يعاش مرتين. وأن الأقرب للاستئناس في حياة متوحشة كالتي نحياها بأعلى رتم ضار بالعقل والنفس هو اتخاذ صديق يسمع، يحتمل مخلفات الفراق على صديقه، دون أن يتجرأ على افتعال مساعدة من زمن قديم: اتخاذ حل فعلي لانتشاله إلى حب جديد. قبل أيام رأيت عبارة على جدار بيت مهجور في منطقتنا وبعدها بيوم رأيت العبارة نفسها في صورة مختلفة على تويتر: ” وينكم يا ربع عُمري..من بقى ما صك بابه؟” وافق الوقت صلاة عصر. لا شعورياً دعوت الله عند الأذان ألاَّ يحرمني من صديقاتي. طوَت الصروف وصلهن مثلما طوَت وصلي لكن بقينا على حبل المحبة والإنصات وشد الأيادي والبكاء سوياً والضحك على قيد ” الإتحاد قوة” التي كتبناها في كشاكيلنا بعدما تابعنا معاً مواسم مسلسل بايونيك 6. أفكر كيف أنّ المرء أصبح يشعر بالوحدة رغم أنه يحيط نفسه بكل تكنولوجيا التواصل والانفتاح على المخلوقات.. هل هناك من انتبه في خضم هذا الطوفان أن العالَم طوَّر كل شيء عدا امتلاء الروح؟، حدث العكس..الخواء يستشري أرواحنا مثل سرطان. حتى ونحن محاطون بمن يحبوننا لا نشعر بالسعادة. نريد دوماً من أحببناهم نحن، ولم يعجبهم ملمس أيدينا فتركوها ومضوا إلى آخرين يحبونهم وليس في كل هذا ما قد تظنه من إعادة تدوير للحب. شريعة الحب المتسيدة لا تعرف قناعة أو رضا إلا بمصدر الحب، لا بديل ولا عديل. كنت أراجع دفتر مذكراتي واسترجعت عبارة كتبتها منذ سنوات: “حزينة وسعيدة معاً”. أحاول اكتشاف كيف يكون هذا صحيحاً. أعرف الآن أنني كنت سعيدة لأنني لم أُنسَ من ذاكرة الناس كذرة هيدروجين بلا أثر. وحزينة لأن الذي يساوي ذاكرة الجميع في قلبي، نسيَني كشيء لم يمر به من قبل أو لم يلتقه صدفة حتى..في شارع غير مزدحم بالعابرين. الصديق يبقى دوماً صديقاً، لكن أسلوب بقائِه لا يبقى دوماً بلا تغيير. فكرت في صنع نجمتي بنفسي، فكانت القراءة والأفلام نجومي اللامعة ذات المواسم الدائمة. البيولوجيا تمنحك دماغاً، والحياة تحوله إلى عقل. هكذا تتوقف عن ندب حظك على أمور تستطيع استثمار رفاتها في تخليق راحة مؤقتة تلو راحة مؤقتة، حتى تغدو استراحة كافية للعيش دون حاجة إلى كائنٍ إنسيْ. هذا جزء مستقطع من تجربتي مع صداقة الحيوانات والكتب ونبتة الريحان ودفاتر مذكراتي. قدِّم شكراً لما أنت عليه اليوم وقاتل لما تود أن تكونه غداً. قل لأحلامك ما كنت تقول لامرئ تركك عند الحاجة: “أريدك أن تريدني”. سترى أن عبارة المعجزات لا تتحقق هي صرف رواية تحولت على أيدي النقاد السلبيين إلى ستريو تايب لا تؤيده منجزات واقعية حدثت بعد أن كانت في قائمة المستحيل. لستُ خيالية إن قلت إن هذا التكنيك إن نجح في إنقاذي سأتمكن من القول لمن تركني ووجد شخصاً جديداً غيري: أتمنى أن تكون أنت أفضل منه. أحب الإسقاط على هذه النجوم بقول لمعلِّم امريكي اسمه مورتيمر أدلر: ” في حالة الكتب الجيدة، ليس المهم كم تحصل عليه من الكتب، بل كم كتاب حصل عليك!” وعن لحظة الضعف المحتومة.. يغني قول ماركيز في رسالة ما قبل الوداع: ” لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها، لقلت “أحبك”، ولتجاهلت – بخجل – أنك تعرفين ذلك”. لست أعرف كم تجرح الابتسامة، أن تحاول الاتزان ولا تقدِر، وأن تؤذي نفسك من الخارج؛ لتقضي على الشيء الذي قتلك من الداخل. لست أعرف؛ لأنني أعيش كل هذا التعثر، لكنني أنام دون عناء عندما أرى نجومي تلمع فوق رأسي، معلنةً أن الفرص المخبوءة في جزيرة الكنز تليق بالعقل الذي يحتاج إليها لينأى عن الجنون والقلب الذي ينبهه عن وجوب البحث بشرَف، برفقة ذخيرة ذكريات تحيط بعبوة ماء المسافة، ولا تختلط فيه كملعقة ملحٍ خشِن.

رابط النص في جريدة الرياض