في عبور العشوائية: 5- ست سنوات عجاف

tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o1_500tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o2_500tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o3_1280tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o4_1280tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o7_500tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o10_500tumblr_mz3uojVHZO1qgu5b6o6_1280

 

ست سنوات كنت أحرث في لاشيء. خسرت نفسي تماماً في مكان لا يعنيني. لم يخبرني أحد أن ذلك المكان هو اختصار الحياة بأسرها، لم يشجعني أحد على المضي في الزرقة. لقد اتكلت على بوصلة قلبي و اتجهت إلى غير يمينٍ سوى ذاك الشمال! حتى يدي التي أرفعها بالدعاء في غير أوقات الصلاة لم يعد في باطنها غير دعاء واحد لله، أن لا يحرمني هذا الضوء التي توضأت من أجله كما لو أنه نجمٌ قدسيٌ لا يطالعه غير المتطهرون. لا شيء. و عندما قرأت أبياتاً لشاعر مكلوم ارتأيتها نموذجاً للحب الحقيقي، الوفي، القوي، الأبدي، الحرفي:

حتى ولو عيبك كبير… سترك أنا و الله و غطاك

حتى و لو زاد الخطا… يا جعله ما يخطي ســواك

أيقنت أن الفجيعة التي حلت بي كانت الوسم الذي اتسمت به حياتي في أكثر من مكان لم يكن باختياري. إلا أنها هذه المرة بددتني كما رأسٌ بشريٌ سقط عليه النجم الذي علَّقه على سقف حياته بوابل من نار. إجحاف كهذا لأنني اخترت هذه المرة. و ثمن الاختيار بلا تدخُّل قد يكون العُمر، بما يرادف الموت دون الرقاد في القبر. يا الله كم هي قاسية، و جاحدة قلوب البشر. لقد رأيت ضباعاً في حديقة حيوان بعيدة، و ثعالب كبيرة في السن. أعرف سُمعتهم السيئة بين الحيوانات. لكنني اكتشفت بعد ذلك أنها ليست أسوأ من أموراً يفعلها البشر ملء رغباتهم، لا توجعهم قلوبهم، روَّضوا ضرباتها مدداً طويلاً حتى ماتت. فمات ما يمكن أن يمتازوا به عن المخلوقات الأخرى سيئة الإنتقام عند الغضب. مكوثي على فراش طاهر و نظيف رغم الدم الذي انزفه منذ سبعة أيام أفسح لي زجاجة محدبة خلف صندوق الذكريات. كنت قد وضعت عليها قماشاً أسوداً منذ ست سنوات عندما بدأت أحرث حُباً في المكان. لم أرِد التعويل على ماضي الألسنة و الجوارح في الحانة التي سمعته فيها يتحدث إلى فتاة غجرية بفُحشٍ قانٍ و إلى أصدقائِه السكارى بلكنة معتادة بين أبناء الظلام و الدخان. حدثني قلبي أنه لا يشبه أحداً. حياته ضاعت في التزجية لا فيما يعنيه حقاً مما تفوه به أو فعله مع الجميع آنذاك. اليوم عندما رفع لي المرض تلك القماشة السوداء من عين الزجاجة استطعت رؤية أشياء كان قد أعماني عنها شغب القلب. و قادتني إليها بمهارة فارسة عربية..شقاوة العقل. كوكبي الذي صنعته بجوارحي أنا. كان قد قدم لي العون لأضع زهرتي في مكان يعج بالخطايا لكنني أحببت النسيج ما تحت طبقة البصمات الحمراء فقد كان أصيلاً لم يفقد لونه بعد. كنت أعرف أنني لم أحرث في مكان حسن السمعة. هذا ما كان يظهر من ذاك الملاذ، في فصل أيلول. و المرء هو ما يختار أن يظهره للآخرين. لكنني كنت أعرف أنني أيضاً لم أكن أحظ ببُرج عاجيٍّ في أدمغة أبناء الأزقة و الظلام. لم أتكبَّر، و لم أرتدِ ثوباً مثالياً يحرمني من كعكة مزينة بحلويات كثيرة الألوان. اشتهيت السكَّر البشريّْ. فتحولت إلى أكثر من شيء منهِك. فلاحة، مزارعة، كاتبة رسائل، بنك تموين، ممحاة، و أمُّ حنون. لم يكن غريباً ولا كثيراً ما أفعل. حتى الأمور التي أعرف أنَّ لا فتاة غيري تفعلها لمكانها الخاص لم أجدها غرابة بل واجب يجب إيفاءه لترسيخ الجذور في الأرض و إعلاء فروعها في السماء. هكذا صنعت كل شيء بآدميَّتي التي كانت شديدة الحذر من كبوة تسحب قدمها إلى آخرة غير مبتغاة. كنت أثق أن المرض الذي يرافقني كظلِّي لن يهزمني بعدما روضته كمدربة نمور ,أو هكذا ظننت. إلا أنه هزمني في اليوم الذي كنتُ أرتِّب فيه لشراء قماشٍ أبيض ليكون شيئاً آخر غير لحاف لسرير النقاهة. شيئاً آخر غير كَفَن لموت أترقبه ولا أعرف متى يجيء. قماش أبيض مطرز بالياقوت. و كبوت، كان لكبوتي صوتٌ أحدث صدعاً في المكان. عرفتُ أنه صدع سيستغرق وقتاً حتى يلتئم. و أيقنت أنه لن يلتئم من تلقاء نفسه، كان يلزمه صيانة مكلفة، و قمت بها. قدمت كل ما أملك من مؤونة الإصلاح و كأنني أصلِح صدعاً في بيت أمي و أبي..أغلى ما خلق مالِك كل شيء. و كان يُمكن أن تنقذني يد المكان من السقوط عن السلَّم لولا أن تلك اليد هي من أحكمَت ربط العقدة في عنقي و سحبتني بلا هوادة أو شفاعة إلى خارج كل شيء. انطفأ النور و عم الظلام كليلٍ دامس لم يعرف قمراً من قبل.

أشعر أنني نكتة جنوبية قديمة. كنت أفعل أي شيء لأسمع ضحك صاحب النكتة. أصنع مزاحي الخاص لأجل مزاجه الخاص. و لأني نسيت ملامحي أثناء إضحاكه، ضحكَ عليَّ اليوم ملء الوسامة و السيجارة.

عندما كتبت لقطتي السمينة الحسناء ظننت أني أهدر الوقت في السخف. قطتي التي تجز أحزاني كما تجز الآلة العشب. أحتفظ على واجهة جوالي ب Note لجاك نيكلسون: ” أفضِّل الإبتعاد عن الأمور التي تسوء كثيراً إذا قررت البقاء.” لقد تعلمت قطتي كيف تتبع هذا التصرف الأفضل و أنا لم أتعلم لا من جاك نيكلسون ولا من قطتي. كنت أتسربل بالحب و أقول أنَّ هذه الكلمة كفاية عن أي تبرير. من يُحب، لا يسعى إلى نفي حبيبه في ثلوج موسكو، و ذئابها التي لا تشبع. و لو خيَّروه بين موته و بين قربه من حبيبه ذو العيوب. قطتي شاركتني قراءة كتب السياسة و الفلسفة ، و أعجِبت مثلي برواية الحارس في حقل الشوفان. عندما تطرحني الحمى ترقد بجانب قدمي مثل اسفنجة تمتص الحرارة حتى تنخفض دون حبة فيفادول. أشعر بها تلعق قدمي و أسمعها تموء بحزن يريدني أن أقوم لنكمل رقصة الطفولة معاً. عندما لا آكل، لا أظلمها بصيامي. أضع لها طبقها المفضل بانتظام. لكنها تصوم فجأة و أتساءل ما خطبها؟ إلى أن جاءتني يوماً بلقمة من طبقها و وضعها على وجهي و أنا مندسة في لحافي اتقاء بردٍ عاطفيّْ. قطتي تقول لي نأكل معاً أو نصوم معاً. عندما أكون في حالة صحو و أنشغل بالمهمات الأكثر ضرورة من اللعب مع القطة، أجدها تتخذ مكاناً مرحاً على أقرب كومة كتب بجوار مكتبتي المصففة، الخالية من الأكوام. أحملها لأنزلها فتكاد تعضني. تتمدد على الكتب مثل من تقول : أحب ما تحبين، و لن أبرحه. كيف تكون الكتابة عن علاقة حب مع قطة سخفاً، و الكتابة عن علاقة حب مع غريب لم يحبني.. أدباً؟! إنَّ الأدب هو تأصيل الإنسانية المتأججة من النفوس، و إن كانت نفس قطة أو بطريق. يشبه الأمر الأجانب المتجنسين في بلاد عنصرية. الحيوانات أجانب حاصلين على جنسية الإنسان و تفوقوا عليه في تمثيلها. جوازي الأخضر يمثلني، قطتي تمثلني، بطريقي الذي لا يتحرك يمثلني، بدلة الجراحة الخاصة بعملي تمثلني، السيد إنسان الذي أرسلني إلى موسكو لا يمثلني. تذكرت رجلاً يمثلني، فلاديمير بطل نزال في انتظار جودو. يسخر منه استرجون : ماذا أقول لك؟ إنك تنتظر دائماً حتى اللحظة الأخيرة. يعلق فلاديمير في مشهد مؤثر المسرحية: أشعر مع هذا أحياناً بأنها آتية. عندها أحس بأنني غريب. ينزع قبعته، ينظر داخلها، يمرر يده فيها، يهزها، يعيدها إلى رأسه. كيف عساني أقول؟ مرتاحاً..وفي الوقت ذاته ( يبحث عن الكلمة المناسبة) مرعوباً.. مرعوباً. تمثلني حركة فلاديمير الكثيرة، ترديده المستمر لبعض الكلمات التي تصف حاله في لحظة التفكير بالشيء أو انتظاره، أو حدوثه بالفعل. إنها حركة كثيرة تبغي التعبير لمن لا يشعر به كي يشعر. لكنه لا يستفيد. أقف على حدود قريتي العفيفة..داغستان، و أتذكر عندما كنتُ أصدَّ العواصف لأعلو. الآن أطرُق أفقاً عليلاً ، حاملةً جثة تنتمي إليّْ. قتلها أنها أذنبَت دون قصد، و لم يكن من تبتغِ مغفرته إلهاً.. يقبلها على علاتها كما يقول الشاعر حين يتركها الناس لعيبٍ واحدٍ. لكن الحقيقة هي أنها قتِلَت لأنها حرثت زهراً رده موسم الحصاد إليها جراداً و خراب. و يطير الحمام، يحط الحمام.

وجدت شعيرات من وبر قطتي المخطوفة منذ سبعة أشهر. على مجموعة كتب وجدت شعيراتها. كانت مقاعدها المفضلة للجلوس. لن أتحدث بلغة السينما و أقول أنها من أقرب الكتب لعطشي الذي كلما أعاد الشرب منها لم يرتوِ. طوق الياسمين، 1984، كافكا على الشاطئ، مقايسات المرارة، و داغستان بلدي..

إنني أنادي روح الوفاء و التحمل و الأمان في قطتي. أتمنى أن تعودي لنقرأ معاً، و نرسم منزلاً آخراً على حدود جنة المأوى، حيث نزهة أمي و أبي.