في عبور العشوائية: 6- الترف بوصفه حلاً

sabar

 

أفكر أن الترف مظلوم. نحن المتواضعون؛ البسطاء البؤساء المتسكعون على رصيف النقد و الشكوى و ضرب نفاق العالمين و جدلياتهم التي يخفون وراءها أكاذيبهم اللا منصوصة في سياسة إبليس. لقد ظلمنا الترف عندما حصرناه بالطماعين اللاهثين خلف شهوة الجماليات المؤقتة والقصور المشيدة بالرمل أمام الشاطئ في كارولينا. اضطهدنا الترف عندما رميناه كحذاء في وجه الظامئين إلى الشهرة و صنع الأمجاد من تأليف الكتب التي لا تشترى ولا تباع ولا تُقرأ ولا يمكن استخدامها لغرض التصوير الفني في موقع انستقرام أكثر من مرتين ، عند الشراء، و في فجر عطلة نهاية أسبوع بجوار كوب القهوة و بطاقة عليها صورة برج إيفل و يظهر على طرفها من الأسفل بطاقة أخرى عليها اسم فندق في باريس. أسأنا إلى الترف عندما أخذناه على محمل الجد فقط عندما استخدمه التافهون في صنعة الظهور و عندما تمادى في تعاطيه الطواغيت مثل الحكومات العربية التي لم تذق لذة مبادلات أغراضنا الشخصية في بيتنا الصغير المتقشر دهانه من الأطراف. الحكَّام و الرؤساء الذين وضعوا أرواح الأبرياء و أموالهم و دمائهم عُملةً لتأصيل الترف في أوصال ملابسهم و كراسيهم و أطراف أصابعهم و أرصدة أموالهم المملوكة للشعب المغلوب على حقه و نبرات أصواتهم الخشنة. ما فعله كل هؤلاء ليس إمعاناً في الترف. لقد أخطأنا عندما اعتقدنا أن الترف هو غرض من أغراض السيئين الشخصية، أنه رداء الملك في عزاء أخيه، أو اتحاد أيدي حكَّام العرب و خونة الإسلام و السلام في مسيرة شارلي ابدو، شطحنا في توهم أن الترف هو صمت المسلمين في قتل ضياء و زوجته يُسر على يد متطرف أمريكي نكرة الدين و التوجه لم يبدُ على وجهه سوى مقته للإسلام، ربما للأديان. إن كل هذه الشرور ليس ترفاً في الخسة, موت المروءة و انسلاخ الآدمية عن روح الإنسان. ليس اكتشافاً القول و التأكيد على أن التطاول ليس ترفاً، الترف برئ من الجريمة و مفاهيمها العدة. هناك مجرمين في حق أنفسهم. و هناك مجرمين سلبونا العالَم و أنفسنا و ما صراع العالمين من المساكين و أغنياء أرغفة الخبز اليوم سوى محاولة استخلاص إجابة من المجرمين على: لمَ ؟

الاكتشاف هو أن الترف مخلوق وديع و مؤلم. صفعة على ظهر كف، لا رصاصة في منتصف رأس. هذا الفرق بين الألم الوديع و الألم القاتل. لا يُمكن نسيان الأول إن كان بفعل فاعل، أما الثاني فعندما يقع لا يفسح وقتاً للتفكير في تجاهله أو الاحتفاظ به للانتقام في الوقت المناسب. في الطب درسنا نظرية تقول أن اكتشاف شيء لا يكون صحيحاً عند آخر إلا إن كان هو من اكتشفه. أي أنك تقع دوماً في حيرة تصديق و تكذيب اكتشافٍ ما، لا أحد يمكنه الجزم أن هذا الاكتشاف صحيح إلا من اكتشفه. أنا لا يمكنني أن أصدق اكتشافك تماماً حتى إن كنت بارعاً في شرحه و إثباته. ربما أوقن به. الإيمان ليس شرطاً لليقين بالضرورة. لكن عندما أجرب شيئاً ما و أكتشف عنه شيئاً مصادفة..سأجزم به، سأؤمن و أوقن و أصدِّق أن ما انبثق أمامي هو ذا، لأنني أحسسته و تألمت منه، في حالٍ أخرى أحسسته و سعدت به. في الموقفين كان مثل قرار اتخذته دون حدوث مشكلة. دون أن يضطرني الأمر إلى اتخاذه. إنه ترف أن تتخذ قراراً بحرية دون ضغط أو احتياج.

العزلة. لك أن تسمها وحدة. لم أعد أكترث بالدقة في التسميات لأن المضمون دوماً لا يلتزم بحدودها. هل اكتشفت مثلي من قبل أن العزلة هي الترف في أكثر مفاهيمه وداعةً و ألماً؟ لا أحد يستطيع الوصول إليك لإيذائك في العزلة. و أنتَ وحيد تكون في الأيام الأولى متضوراً من الوحشة إلى صوت يؤنسك. إلى صديق تتناول معه الطعام و تغتاب عدوكم اللدود ما بين اللقمة و اللقمة. تنفجر بكاءً و أنت تمشي في طريق طويل دون رفيق يقوِّي اتجاهاتك أو يصحح مساراتك عند الضلال. يصبح لديك كل الوقت لتنام، لكنك فجأة..دون أن تكون منشغلاً بشيء، تصاب بأرق يقسم بأسماء الله الحسنى ألاَّ يزول. تفكر و يصبح انشغالك عن النوم هو إيجاد سبب الأرق لتدرك أخيراً أنه خلو الجو من حبيب يدعو لك بأن تصبح على خير و يوصيك على نفسك كما يفعل الوالديْن مع الأبناء. السلام هو سمة عزلتك الأعم. كما أقول بيني و بيني كل مساء بعد قراءة الأذكار : لا أؤذي ولا أؤذى. التلفاز مغلق، لا إنترنت، ولا شبكات تواصل ولا جرس باب قيد التشغيل. جُبنٌ محمود: لا تعرف شيئاً عن آخر احصائيات القتلى في سوريا و مصر. ولا عن آخر تطورات عُته الحوثيين في اليمن و على الحدود. لا تشاهد صوراً دامية لأطفال ارزقت وجوههم من البرد و الجوع و المرض في مخيمات عرسال و الزعتري و اليرموك. لا تستمع إلى خطابات و زيارات و تسجيلات لحاكم عسكري تفوق على نفسه في اللصوصية و الانتهازية و إزهاق النفس التي حرم الله إلا بالحق، تضحكك تحركاته و كلماته فتوجع قلبك المتورم استياءً حتى يكاد يتوقف ندماً على بلية عجزت عن الإنكار إلا بالضحك. تتفرغ تماماً للنوم، ثم لا تنام. هذا هو الترف الوديع. سيلومك الآخرون و يبدأون بتجربة أثواب الاتهامات التي لم يفكروا عندما كنت بينهم في وضعها على فراشك كي يغريك لونها بعد نهاية يوم ثقيل. سينعتونك بالمنافق لأنك لم تستمر في نضالك الذي لم يغيِّر من حال قضايا الضحايا و لم يحرر أسيراً و لم يشعل جذوة أمل في نفس جائعٍ استسلم على طرف خيمته المهترئة إذ أن شعاراتك القومية الغبية لم تعد تهمه مثل أهمية أن تدفأ يده برغيف خبز طازج.. ما يبدو حلماً بعيد المنال في يومٍ خلا من ذوي المروءة و أصحاب اليمين. ستبكي كثيراً بعد ذلك اللوم القارع و تشعر أن كل هؤلاء الذين كنت تحمل همهم تضاربت مصالحهم مع مصالحك. ستفزع من فكرة أنك تحولت إلى خسيس دون أن تشعر، دون أن تقصد. دون أن يكون لك أي ذنب سوى احتياجك كآدميٍ على هذه الكروية إلى راحة تجلبها إلى نفسك لا تنتظر أن يدللك أحدهم فيجلبها إليك على طبق من ترف. ستدرك أن مجرد التفكير في الراحة أو حق الراحة المشروع هو ترف بملامح جريمة. خيانة كان سيكون وقعها أقل سخرية إن جاءت من اسرائيليٍ أو أحد عائلة الشيطان المتسمين بالحاكمية. إنك لست حاكماً لشيء سوى نفسك، ولا صاحب صوت ينفذ بلا جدل سوى صوت صراعك ما بين الواجب و الفرض. ربما بانزياحك إلى عزلة عن هذا العالم الموبوء وقعت في خيانة مثيرة للشفقة، لكنك بعد العودة إلى الجموع و عدم انتباه الغاضبين إليك (عكس توقعاتك) تعود رويداً رويداً إلى مكانك في الظل و ترنو إلى جمود و أنفاس لاهثة تليها أيام بدأت بالابتعاد عن تلك الأولى و تجلو عن رأسك غمامة الآخرين فتشعر بلذة الترف الذي آلمك طويلاً بلا جدوى. يبدأ السلام بالكشف عن نفسه. تصفو. صفاء الروح في العزلة ليس كصفاء الروح و هي ممتزجة بالآخرين إذ لا تشعر بها بل تعرفها فقط من خلال مدائحهم. تبدأ في تدوين شذرات تكتشفها كل يوم و أنت وحيد إلا من أفكارك التي تدور كخلية نحل في رأسك، لقد ولَّى الشعور بهذه الأفكار كمعول تدمير. تدوِّن مثلاً اكتشافك أن الحياة لم تمنحك ما تستحق. تعرف أنه لا تزر وازرة وزر أخرى لكن الحياة حملتك أوزار الآخرين بأنانية و سلبت منك مشروعية تلك الأنانية نفسها عندما أصبح الأمر يخص فرط التعب من التواجد في صالة بورصة الشر. سوف تتذكر أكثر أشخاص أحببتهم في حياتك و وعدك أحدهم أو بعضهم أن لا يتركك وحيداً لكنه في اللحظة التي صدَّقت فيها وعوده اختفى. ستدوِّن أن أفضل شخص في حياتك هو هذا الذي انسحب منها كشَعرة مسحوبة من عجين، إذ أنه عرف أن البقاء وحيداً هو الذكاء الذي لا يتحلى به إلا من يستحق الترف المتلألئ منه. قد تعرف بعد ذلك أنه غادرك احتفاظاً بشخص آخر فضَّله عليك. ستقول لنفسك لا بأس، إن كان يستحق شخصاً أدنى مني، فقد ذهب إلى ما يستحق. و هنا تأخذ أنت دورك في مصفوفة الذكاء. لا يقع فوقك سوى سلاماً نشدته فوجدته، ولا ينتظر تحتك سوى الصامدون أمام التغيير وهماً بأن هذا هو بيان التضحية من أجل بؤساء العالم و أطفاله المنكوبين. الأيام الناضجة جداً للعزلة هي التي تنام فيها قرير العين و عبارة ملصقة على رأس فراشك تقول أن الترف قط وديع يتألم دون أن يؤلم من يخاصمه دون انتباه لألمه. لم يعد يهم ما يظنه الجاهلون من الأصدقاء و المحبين. المهم أنك لم تجهل نفسك. تعرف أنك لست جباناً بانسحابك و خلوتك، إذ أنك تقرأ. و القراءة ارتباط كعروة وثقى بالنُبل. كمية النبل اللازمة لبقائها صفةً في المرء الذي لا يشارك فعلياً في حل قضايا المظلومين. في اليوم الذي تخرج إلى الصيدلية مضطراً لشراء علبة جديدة من مسكن القلق و الاكتئاب يصادفك أول شخص أحببته و بادلك الحب بعهدٍ على عدم الفراق ثم كان هو أسرع من غادرك. تشعر أنك في مشكلة و كأنك تقابل إنسياً لأول مرة. تتوهم أنك تتعرق لكن لا شيء. تسبقك ابتسامة في وجه الحبيب الجبان فيبادلك الابتسام بغباء و يغادر بقرطاس دواءه سريعاً و كأنه يهرب من صاحب فضل لم يسدد له ديْنه. لا تفعل شيئاً إزاء هذا الاكتشاف الجديد، السريع كبرق، المشاكل أصبحت تحل نفسها بنفسها. بركات الوحدة ؟ أم وفقاً للحياة.. براءة الترف بعد الدفاع عن نفسه في محكمة ذاتية عنوانها أنا و أنا و فوقنا الله؟

لقد عشتُ في دوائر ما بين الوحدة و العزلة إذ أنني في العزلة ابتعدت عن الناس بينما في الوحدة كنت أستقبل من رق قلبي إليهم فيغادرون قبل الاستماع إلى صوتي و أنا أرحب بهم. شعرت بالسلام الذي تبثه راحة النفس من كل مسبب للعلة. و حينذاك شعرت بالترف يغزو روحي فيعلو بها إلى مطار توقفت فيه عن النزاع مع عقلي حول ما إذا كنت أفعل الصواب أم اقترف خطأً لا يُصحَّح. كل كتاب قرأته في العزلة كان صلاة أدعو في نهايتها للمظلومين و المتجمدين و أخرج إثر ذلك إلى فعل شيء يؤازرهم و على رأسي قبعة قطنية تفسح لي طريقاً بين الجموع لأعبُر كغريبة وحيدة بين الذين يعرفونني و أعرفهم و أتمتم أخيراً بنبرة كالغناء: تعوَّدنا.