بدون عنوان

tumblr_nt99but1db1qcf52xo1_540

و أفسح الطريق في قلبي لهذا الفراغ الحاسم. أعرف أنني هذه الأيام أتحرر، لكنني أرى موتاً لا تراه. لا يهمك..لا يعنيك بغصن ريحان ولا بأريج زهرة. لم يكن يعنيك من كل هذه الرحلة الدهرية سوى أنها تشعرك بالخطيئة. أكنت تريد أن تكون رصاصة الرحمة التي أطلقتها بحرفيَّة على منتصف القلب قاضيةً حقاً أم أردتها فزاعة تقف على أكتافها الغربان متغذية على الدم المسكوب تحت القميص؟ لست أشعر أن وعيي ملتبس، بل أعرف هذا. أعيش التباس الصدق بالكذب و الحقيقة بالخيال والحب بالتسفيه مثلما يتآكل المقهور في مستشفى المجانين تحت حمض التباس ظلم ذوي القربى بعدل البعيدين. الحقيقة الوحيدة غير الملتبسة هي أنك لست ذي قربى، ولهذا تتجلى الغمامة رويداً رويداً عن وجعي لتكشف لي أن أحداً في هذا السفر لم يجرم في حق نفسه كما فعلت بنفسي و ظننت أن في الانمساخ إلى الروح التي أحببتها خير. لم أفعل باطلاً معك.لقد كان كل شيء هو أني أحبك جداً. وها أنت.. تضحك جداً، بين اقربائك الغالين عليك في ملحق بيتكم، أو إحدى الاستراحات. تنام نصف اليوم و تقضي نصفه الآخر تلبي أنانيتكم في الاحتكار الشامل للوقت، لأنك كريم زدتهم احتكاراً للقلب. فلم تكن مرة في الجوار، إلا بعد أن يزعجك صوت القطة و تعلقها بطرف ثوبك كي تمسح على رأسها قليلاً وتعود إلى الداخل تمرح كما يمرح أحمد وباقي الرفاق، رفاقك. أيها البعيد.. لا كبُعد النجوم، فها أنت تثبت ملء قوتك أنك لست نجماً، بل كبُعد الإنسان عن إنسانه. وهل بعد خلع الحُب الذي ظن الإنسان أنه تميز به عن البهائم بُعداً مهدوراً بلا سراج ولا محطة بنزين؟

منذ أحببتك وأنا أحارب. حاربت كل شيء غالٍ و رخيص، تعاركت حتى مع طواحين الهواء لأحميك مما يثير جيوبك الأنفية كي لا يداهمك الصداع. تحولتُ إلى النسخة النسائية من دون كيخوته و في خضم الحرب توجهت إلى نفسي وتعاركت زمناً طويلاً وقاسياً معها، ثم حدث أن هزمت نفسي. أنا هزمتني، وأنت على صفوف المتفرجين تصفق و تجاملني عند الذهاب إلى البيت بفكرة إنقاذ لم تنفَّذ قط. هزيمة ثانية، لكنها ماحقة.

لطالما كانت قسوتي كقسوة قطط، بيضاء كلون أشيائي التي سمعَت أحاديث حبنا و استهزاءاتك اللامنتهية بي. أشيائي البيضاء التي شهدَت على ما كنتُه معك وما حدث لي دوماً بسببك. ما كان يحدث لي دوماً بعد خصاماتك،وما كان يحدث لي دوماً بعد مجاملاتك فاخرة الكلمات باردة الرغبة. قسوتك كانت دوماً كقسوة البشريّـين. أكلوا لحوم بعضهم في قديم الزمان، يأكلون لحوم بعضهم اليوم بأدوات تواكب العصر، تواكب فوران نشوة الركل و صفق الأبواب، البشر كانوا دوماً بأفعالهم في مرتبة سمو أدنى من مرتبة الحيوان. لذلك ترفعت طوال حياتي عن الكوْن بشرية، احسب معي كم من البشر نجحوا في بلوغ قمة هرم الآدمية ( الإنسان) ؟ لست أقول أنك لستَ إنساناً. أنت خير الناس مع كل الناس. لكنك كنت بشراً معي، إنسانَتُك الصغيرة التي لم تقل عن صورة الشمعة استهلاكاً، بل ذابت في حسنك كما تذوب الشموع.

أفخر أنني لست ممن يكفرن العشير، ولا ممن يهبطون إلى درك النيران، أولئك هم الجاحدون وناكرو الطيبة و القصائد الحُلوة. أحتفظ بكل ذيك الذخيرة في دمي، حيث لا أحد يستطيع سرقتها ولا التلصص عليها كغيور. لكنني من الواقعيين، الذين يربطون القول بالفعل فتخرج لهم الحقيقة. مثل من يصلي وحالما يفرغ من التسليم يخرج ليخالف أنظمة المرور و يصرخ على بائع البقالة الذي لم يحضر أغراضه بسرعة و يشتم عامل غسيل السيارة لأنه نسي بقعة على الزجاج الأمامي. عندما تتراكم الصغائر تصبح وحشاً دميماً لا يمكن النظر إليه بالعين ولا التفكير فيه بالبصيرة. ما كان يحدث بيننا هو أنك تقول ما لم تسمعه أذن بشر، لكنك تفعل كل ما يخطر على قلب بشر حذروه أصحابه من الوقوع في مغبة من يتخذونه نزوة، وإن طال وقت المكوث معها. أخبرني ماذا تفعل الآن في إجازتك التي كنت تقول أنك ستصلح فيها وضعينا؟ يبدو أنك الآن في الطائرة تحلق إلى منتجع الترفيه والطمي، أو أنك وصلت بالفعل وبينما أكتب هذا الهراء متسخة بجروحي من نعوتاتك تتمدد أنت الآن على شاطئ تشرب فيه ما كنت توهمني بمحاولة الإقلاع عنه ثم تعود إلى غرفتك في الفندق الفاخر لتنام ثملاً مجرداً من كل شيء جميل لم تستطع الحفاظ عليه مجرد مني، شئتَ أني من هذه الأشياء الجميلة أم أبيت. كنت قد وصلت في التشظي بينك وبينك إلى أنني أتحمل كل شيء من باب الواجب بعدما تغلغلت في دمي واستحال علي وسوف يستحيل إلى الأبد أن يحل جين رجل آخر محلك، من باب الصبر تحملت، لم أعد أتحمل من باب الحُب و العشق والإدمان. منذ نفضت كل هذه المشاعر اللاإرادية عن عينك كرماد سجائرك البائتة وأنا أخجل من نفسي إن تلفظت بالعشق والجنون أمامك، مؤخراً تحاشيتها حتى بيني وبين قلبي. أيُّ قلب؟ الذي استقر في لدنك و ترفض الآن ملياً إرجاعه في صدري؟ أم الذي حمل همومك و لفَّها بحبُّه ودفنها بطريقتنا السرية تحت الرمل مدثراً إياها برعايته كي لا تخرج مجدداً و تؤذيك؟ أتفهَّم رفضك لقلبٍ في أمانتك، كلا.. ليس هكذا، أقصد أتفهم رفضك لأمانة استودعتها عندك. هل اتسعت ثقافتك يوماً لتعرف أن الأمانات الروحية التي لا ترى أغلى ثمناً و أهم قدراً من الأمانات النقدية و سبائك الذهب و قطع السلاح؟ ولأنها أغلى ثمناً.. لم تستطع تدثيرها بمحبتك ولا امتنانك. لذا.. ها نحن، نقف في العراء، أحدثك حديثاً أعرف أنك لن تسمعه سوى بالصدفة و تقف قبالتي مدبراً إلى مرحك و حياتك المكتنزة بتفاصيل مملة و أخرى مثيرة، لم أكن واحدة منها على كل حال. اتساءل كلما صدمتني بتجبرك ، كيف تربيت بين حنانيك كل هذه السنوات دون أن أهرب من تمللك الذي لم يتوقف عند حد مني؟ كيف قبلتُ أن أكون نزيلة في حياة رجل لا يريدني؟ هل لأنه كان قوياً بما يكفي لمجاملتي كل هذه السنوات؟ ما الذي يحدث؟ كنت أعيش على هاوية اسمها..اسمك. وقعت كثيراً، انتشلتُ نفسي بنفسي، لم يحدث أن كبُرت مجاملاتك مرة لتمد يدك و تنتشلني منك، أو تنتشل نفسك من العبث بحبي الذي أقدسه ملء كُلي، لأنه فاق الحقيقة و استوى على عرش الفلَك ككوكب درِّي. أيقنت أنك من الناس الذين لا تهمهم الأوطان. لا تعنيهم هذه الشعارات التي لا تشكِّل فرقاً في منجزاتهم التي يرغبون في اكتسابها لا في الحصول عليها. لذلك عندما كنت وطنك لمَّا اغتربت بك الأحوال لم تتأثر. لم يفرِق الأمر معك. سوى برسالة شكر بعثتها لي بعد انتهاء المهمة مرة تلو مرة. وهذا كل شيء! كان كرْم الحقيقة ينجلي أمامي كلما بكيتُ ولم تسألني لمَ تبكين؟ لكنك تخشى سخريتي من تهكماتك فتسألني منزعجاً عندما أضحك..لمَ تضحكين! لست أقوم الآن بتشويهك. إنني لا أشوه ولا أنسف أي شيء في محياك الوسيم و طيبتك التي شهدت لك بها مراراً وهي طيبة لم أر ما يوازيها بين المعتاشين بيننا ممن نعرف و ممن نجهل. لست أضعك على طاحونة الخطأ و أطحنك. لم أضربك بالظنون ولم أفعل شيئاً سوى استرجاع ذكرياتي المعاقة معك. شيء لا يحتمل لكني احتملت. لم أكن لقيطة وجدتها على باب المسجد لتقول أنك تشعر بالخيانة عندما تنظر إلى وجوه الأولين. ولم أكن امرأة تحمل مكنسة الساحرة الشمطاء لتؤذي كل من حولك كي تظفر بك. لم أؤذك أيها البعيد كإنسان. فلم آذيتني ملء استطاعتك؟ هذه الإستطاعة التي انتظرتها لنكون في مدار واحد، وحيد..لا ينفك ولا يقبل المشاركة. مدار يغير وجه العالم ويسقط أسماء العشاق ليتفرد باسمه المتلألئ و يقلع الأشجار من جذورها ليتجذر في الأرض كالعروق ولا يترك قيد أنملة لجذر آخر يثبَت في الأرض الطيبة غير جذره الملفوف.

هل من مناص من الحب؟ عني..لم يحدث. لذلك أعيش أحبك. ولذلك.. أنت حر منذ الآن من وجودي بجوار قدمك كقطة متسولة، لا يا عزيزي، افرش سجادة نزهاتك على المكان بلا تهذب يستهدفني. محل صغير في منتصف الخط السريع بات أكثر كرامةً و أماناً من محلاتك التي تسع الكون بمجراته، لكنها لم تسع قُطري النحيل مرة.