الآخرون لا يمكن أن يفهموا الأطباء حتى وإن عاشوا معهم في المستشفى..فهم ليسوا أطباء

سبعة سنوات دراسة وبعدها اربعة رزدنسي تجعل الأطباء متخلفين اجتماعياً. لذلك يلقي بنا الآخرين سريعاً من ذاكرتهم عندما نختلف معهم. الآخرون الذين ادَّعوا أنهم يحبوننا. هم أول من يلقي بنا من الجعبة عندما نكسّر الأشياء على رأسهم في الغضب. إنهم لا يستطيعون فهمنا. لا يمكنهم تقديرنا حتى وإن ملئوا الأماكن الرسمية وأيضاً تويتر بالمديح لنا. لا يمكنهم أن يفهموا أننا قضينا 12 عاماً في المدرسة و مثلها بالكاد في كلية الطب والمستشفى بين لا أحد بخير. لقد رأينا من فظائع الآلام و الأجساد الممزقة والأرواح التي استعادها الله من بين أيدينا ما يكفي لنكون متخلفين اجتماعياً ولا تكون العلاقات الاجتماعية أولوية في حياتنا. لقد رأينا من كوارث الفيروسات في الخلايا ما جعلنا عاجزين عن الاكتمال كملائكة تستغني بأذرعها عن الجناحين. إننا آدميين أكثر من الذين ليسوا أطباء. إننا أكثر من يجب أن يأخذهم العالم على محمل الحب عندما تهيجنا أي مشكلة خارج الطب و تجعلنا نستاء و نحطم المثاليات على رؤوس المتملقين و المنافقين. لقد تفاجأت عندما رأيت أشخاصاً جميلين غير منافقين يتعاطفون مع المنافقين ويرمونني من ذاكرتهم لأنهم أصدقاء للمنافقين. عرفت جيداً أن تقدير الناس للأطباء بالمعنى الذي يستحقونه مستحيل. ليس تبريراً أننا متخلفين اجتماعياً . لكننا نلام حين نصمت ولا نختلط كثيراً بالأرواح الكثيرة المحيطة بنا. يظن الناس الذين لا يعرفون ما التقدير الذي يجب أن يعاملونا به أننا متكبرين و مغرورين و نعتقد أننا أفضل من غيرنا. لقد ذقت باستمرار منذ بدأت دراستي في كلية الطب ظلماً في الحكم على تصرفاتي لكنني لم أحكم على من حكموا علي بأشياء كثيرة خاطئة أنهم حاسدين أو غيورين. على العكس كنت دوماً أتفهم أنهم لايعرفون شيئاً عن تحولاتنا النفسية و الفكرية كأطباء إلا ما يسمعونه منا أو من غيرنا عنا. لكن يظل أنهم لم يعيشوه. لم يبقوا بجانب المحترقين و الممزقين و المنجلطين والمكسورين و المفخخين بالسرطان و الأروام كأشخاص يجب عليهم أن يزيلوا المرض عن هؤلاء لا كمرافقين أو مواسين فقط. إنهم لا يعوون الضغط الانفجاري الذي عشناه في سنوات الطب ثم التدريب فالزمالة. لقد كنت أنسى في سنوات دراستي أن الأيام تمر و أكبر، لكن فشلي في إدارة علاقاتي الاجتماعية بمثالية مستديمة ترضيهم هو أكثر شيء أشعرني أنني بلغت من الثلاثين عتيا و عندما جاء يوم ميلادي الأخير نظرت عشرة مرات إلى ورقة التقويم لأتأكد أنني لم أبلغ الثلاثين بعد. نعم أنا لم أبلغ الثلاثين بعد لكن حساسية الناس مني جعلتني أشعر هكذا وهو ليس شعوراً جيداً. إنني من أولئك الذين يحبون أن يعيشوا سنوات عمرهم دون تقديم أو تأخير.

كنت متشككة و أزفر بقوة و أشعر باضطراب. شعرت بالحزن على نفسي و كيف أن نأيي عن الآخرين من أجل البحث عن علاج لآلامهم و مداواة آلام أخرى بالعلاج المتوفر جعلني أظن أنني سبقت فتيات جيلي في الزمن أو و كأن ساعتي تسارعت عن جريانها الغريزي الذي نعرف. 

إن الحزن ليس على عدم النجاح اجتماعياً. على العكس فإن السلام الذي يعامل الأطباء به الآخرين مريح وباعث لسعادة لا يفهمونها. السعادة المختصرة في المسلم من سلم المسلمين من لسانه و يده. الحزن هو على عدم النجاح في جعل من زعموا أنهم يحبوننا و يفهمون جيداً من نحن، يحبوننا فعلاً. الحب الذي أفهمه هو أن تجد سبعين عذراً لمن تحب عندما يدلق كوب الماء في وجهك! و أن تعذر لا يعني أن لا تغضب. لكن الغضب أيضاً.. لا يعني أن تظلِم. هناك من يقرر سلفاً أن الطبيب يتعمد الغطرسة والتفكير بغباء في المسائل الاجتماعية والسياسية و العاطفية، لأنه لا يعتبر الطبيب متواضعاً بالقدر الكافي الذي يجعله يتمتع بمهارة تكوين آراء محترمة تخصه عن أي شيء. و هناك من لا يقرر شيئاً لكن صحبة الأطباء تمتعه و تجعله يشعر أنه منتمٍ إلى نخبة لا يلام إن تباهى برفقتها، و هؤلاء هم أكثر من يكشف عن سوء نفسه في وقت الخلاف. كلنا فينا ذلك الجزء السيء الذي مع مرور الوقت والتجارب و التربية والتعلم نقضي على ما نستطيع القضاء عليه منه و نقاوم أنفسنا على تنويم مالا يمكننا بآدميتنا القاصرة القضاء عليه. لكن هناك من لا يبذلون جهداً في النأي بجزئهم السيء عن الطبيب عندما يرون منه في علاقته معهم ما يزعجهم قولاً، أو فعلاً في بعض الظروف.

الآخرون لا يمكن أن يفهموا الأطباء حتى وإن عاشوا معهم في المستشفى..فهم ليسوا أطباء.

216

ga

 

عزيزي غياث،

كيف يمكنك وصف شعور الولادة العظيم بعد الاستحمام؟ هل قلت شعور ولادة؟ هذه هي الكلمة تماماً. التحدث معك يُفشي في الروح شعوراً كالذي يشعر به المرء بعد استحمام الصباح أو المساء. صديقاتي يسمينه شعور الإنتعاش الذي تبثه النظافة. و أخرى تقول أن هذا الشعور لا قيمة له دون السحر الذي تبثه رائحة صابون الخزامى. هم الذين أجابوا عني ساخرين أن تأثري بالطب سيجعلني حتماً أسمي هذا الشعور بالإغاثة. تذكرتك على الفور. لستَ تقل أهمية عن إغاثة الماء و الصابون للجسد. فلولاك لكنت أطفو فوق فضلات روحي. التحدث معك يجعلني أتذكر تقصيري مع الله. أرجوه كثيراً أن يدِم عليَّ النعم التي أحاطني بها، أن يعيذني بكلماته التامات من الحزن الذي يعميني إلا عمَّ ينقصني، أعوذه أن أكون من الجاحدين. لقد أحببتك عندما أخبرتني أنك لا تقرأ ولا تكتب. و لأنني أقرأ و أكتب كثيراً لم يفاجئني طلبك بأن أكتب لك. عرفت أنك ستطلب مني قراءة رسائلي إليك لأنك تبتهج بها أكثر و هي تتلى عليك بصوتي. لو أن النسمة تُمسّ يا غياث، لو أنها تحط على كتفي الآمن، لأسررت لها بأنها كالمرء، لها شبيه.. ينافسها بصعود قد يقتلها غيرة، إنه أنت. شبيه النسمة إذ أنها خلِقَت قبلك فحسب. لو أن مقاطعة الوجدانيين المعتقين بالشجن تجوز، لقاطعتُ بندر خضر عندما كتب” ما الإنسان في نظري إلا كائن ناقص، فإذا ما أحببته قتلني.” كي أعرفه عليك. لقد عاش حباً قتله. كما عشتُ أنا حباً قتلني. لكن القتل دون النزوح إلى القبر يعني أملاً في حب يحيي ما قُتِل. و إلا من أنت؟ لا يمكن لمن يُغيثه الرحمن بك أن يكذب نفسك الفلاّحة في حقل قضى الجراد على أخضرهِ فجف ماؤه و هجرته حتى فئران الحقول..إذ غدى شيئاً غادرته الروح. ما الإنسان إلا كائن ناقص بالفعل. لكنه يكتمل في قلب الناقصين إذا ما كان متصفاً بنُبليْن: العدل و الرحمة. لم أشعر بخجل عندما قلت لي أن أطراف أصابعي تسقي المرضى بالرحمة عندما أجس نبضاتهم و أستئصل ما خبُث في أجسادهم. استقيت من الزهور رحمتي، و من قطرات الماء على الحجر إيماني باللامستحيل، لولا ذلك ما جرؤت على مسّ نفس تتوجع من تداعي جسدها. نظريتي التي دأبت السير على حبالها بعدما استعطرتها هي لا تؤذِ إن لم تستطع أن تنقِذ. و لأنني كائن ناقص سقطت عن الحبل مرة، مرتين. لم أصل للثالثة بعد، مهتمة بعدم تثبيت اللا احترافية على يدي التي عرفتها تسقي ولا تقطف. لقد دفعت ثمناً مهيناً نظير نقصي. و عندما تحدثت معك انطفأ في عيني ما كان يغذي حزني و اشتعل في قلبي سراج. أعشق فكرة أنك إنسان. هي الفكرة ذاتها التي سيظنها من يقرأ رسالتي لك. عندما وجدتك بين طيات نسيج الطبوغرافيا و المساحات التي لم تتدخل فيها أيدي المتاجرين عرفتُ أنك الحجر الكريم الذي جاء يغيثني برَحمة لا إفزاع، لذلك كان أول ما فعلته لحظة التقيت بك..أن التقطت لك صورة بالرداء البدوي. و لو كانت ترافقك فرس جميلة لما توانيت عن استلافها منك ليكتمل مشهد إغاثة الملهوف بلا تخويف، أو عجَل يؤدَّى للهامـشيين. عزيزي غياث، هيا نشكل بأوجاعنا دوائر في الماء. من السهل تكويرها كالحصى و رميها في البحيرة ما دامت القلوب نديمة كزغب الزهور.

215

أعرف كم أسأت لنفسي عندما أراجع كل اعتذاراتي لمن أخطئوا في حقي من الذين وددتهم، حرصت في الحفاظ عليهم، فاعتذرت كثيراً لأنهي مشكلة و لم أخبرهم كم كلفني هذا التنازل من انهيار في الخفاء. أعطيتهم الفرصة ليشعروا كم أنهم كرماء و هم يقولون : أسفِك مقبول، بينما الحقيقة أنهم لم يقبلوا اعتذاري كرماً منهم بل شماتة و شعور بأنهم الخيار الأفضل للأشخاص السيئين..و هؤلاء السيئين هم أنا.

ترى هل تمنحني الأيام كرماً حقيقياً و تكشف لهؤلاء المسيئين يوماً من منا كان صاحب الفضل و ” الأوَّلة” ؟

214

9y6r

 

تعالي أحبكِ ما تبقى من ندم.

أتتساءلينَ ما إذا كان على طرف الشفاه دعاء؟ لقد قلته و لم تسمعي. لأنكِ نِعَمٌ كثيرة تتناثر على السيئين هباءً منثورة لم تسمعي. لأنكِ آلاء كذَّب بها من هطلت على قلبه مطراً شافياً من كل علة لم تسمعي. لأنَّكِ قميص صنوبريٌّ اللون ارتداه جسدٌ دافئ بالنيكوتين بدلاً من نبضك لم تسمعي، لأنَّكِ زينة أنثوية حولت محيَّاكِ إلى فتنة في ليلة ليس بها قمر لم تسمعي، لأنكِ سراجٌ أضاء فوق عتبة بيت مهجور من أحدٍ سواك لم تسمعي، لأنكِ ماءٌ طهور مراقٌ على فاه سكارى لا تثملهم سوى كؤوس الحانات لم تسمعي، لأنكِ ايميلي، الفتاة التي خدعتها دكنة العزلة فانزلقت إلى سطوع لم يكن شمساً كما أوحت لها قلة الخبرة..لم تسمعي. لأنكِ كلمة ” أحبك” التي خرجَت من كريات دمك لتنغمس في كريات دمه غير المتاحة لحُب فائح بالياسمين..لم تسمعي، لأنكِ التزامٌ لم تذوقي طعم النوم كي تفيه و تسعديه و تؤثثي غرفة الفرح المملوكة لصوته لم تسمعي، لأنكِ سرَّه الذي تبرأ منه و لأنه سرِّك الذي توَّجتهِ بأوسكار الملوك لم تسمعي. لأنكِ قصائد شرف لا تتسق مع قصيدة نبطية لقائلٍ غير البدر لم تسمعي، لأنكِ أعلنتِ احتياجكِ لعامِر الوفاض على الخلائقِ دونكِ لم تسمعي، و لأنكِ أدمنتِ من لا يفقه غير الماريجوانا إدماناً لم تسمعي صوتي المبحوح الذي جرح طبقة الهواء أمامه حين خرج سائلاً خالق الحُب و السنوات السائبة و الحصاد المقهور : اللهم سخِّرني حمامة تطير بروحي إليك، فقد خلت الدنيا من حوائج الناس إلي نبع قلبي و نور عيني.

00,00 / 2015

tumblr_mqnu5ertnS1qdpv23o1_500

لقد دخلت الآن إلى البيت و في يدي وردة حمراء مهداة من مريضة عمرها خمسون عاماً كانت في السرير المجاور لي. عدت بعد إقامة مرضيَّة لبضعة أيام في المستشفى و يوم في العناية المركزة. أشعر بالتعب. لا أعرف كيف تجرأت و فتحت هذه الصفحة و بدأت أكتب، لكنني أحتاج إلى هذا. و إلا سأنهار. عندما توقفت السيارة عند مدخل البيت رن صوت رسالة في هاتفي. تفاءلت، ربما أنت. ارتسمَت نصف بسمة ساخرة على وجهي. فتحت الرسالة، وجدتها من حساب اقتباسات لم يستطيع أن يرسل شيئاً جميلاً ولو بالكذب الأبيض في آخر يوم من العام. إنني أعرف هذا الاقتباس. كنت أضعه في حالة الواتس آب. تساءلت هل هي صدفة أن يعاد عليّْ ؟ ” بعض البشر لم يرحل لأنك أخطأت، لقد كان ينتظر أن تخطئ ليرحل.” أريد جداً أن أستريح. على أي مقعد حتى لو كان مقعد قطة تبولَت عليه ثم غسل مكانها رشاش ماء ابن الجيران الذي يغسل سيارته ليغرق الطريق كل يومين. أريد جداً أن أستريح.. على أي وسادة. على أي بساط في رصيف. لا أبحث عن كتف ألقي رأسي عليه. لقد أدركت بشكل نهائي أنَّ الأكتاف التي تحمِل و تحتمل غير مقسومة لي. أدركت بشكل نهائي أن كتفي الذي يحمل و يحتمل مقسوم لك، لمن يدخل إلى البيت منهكاً من مشكلة تافهة و يرمي رأسه على كتفي و يذهب في نوم عميق غير مبالٍ ولا متذكر ما الذي كسره فيَّ بالأمس. يصحو و يركض إلى الحياة و ينسى عطرهُ على كتفي. تعال خذه، لا حاجة لي برائحة جميلة بعد رائحة غيابك الخانقة. إنني أحتاج إلى أن تفتح النافذة لا إلى شم رائحة سهوتَ عنها على كتفي. أنا أبحث، أريد، أبحث عن دفء سرير أمي و أبي لأستريح عليه. هذه أولى أمنياتي و أهدافي في العام الجديد: أن أستريح. لقد حددت شعاري أيضاً، إنه الصمت. سأصمت هذا العام ، ليس لأنني سئمت العبارات المعادة، بل لأنني اشتقت جداً إلى نفسي. لقد كنت أظن أن نفسي في أمان معك. فوجدتها تترنح وحيدة في طريق وعر بقطَّاع الطرق و ضباع الظلام.

يقولون أن الملِك مرض بالأمس، شفاه الله. جاءت لونا الصغيرة إلى الحياة، فأشعلَت ضوء جديد في آخر النفق. بحثت عن حقائب سفري التي كنت أحملها معي في بريطانيا و لم أجدها. لا أعلم أين اختفت، نسيت تماماً أين وضعتها. سألت إخوتي ولم يرها أحد. في 2005 كنت أتجول في السوق بمتعة لأشتري حقائب تكفي كل أغراضي. هذه المرة وكَّلت خالتي لشراء حقيبتي سفر بديلتين و لم أصف لها شكلاً ولا لون. قالت: أعرف الآن كم أنتِ متعَبة و لن يريحك سوى مقعد الطائرة.

بقدر هذا التعب، هذا الترنح، هذا الوخز في عروق يدي من تدبب الأنصال، هذا الديناميت الذي يتغذى من مخي، هذا الفجع من الخذلان، هذا الكتاب ” شقيق النوم” الذي قرأته و عشقته، هذا الأسلوب لكونديرا الذي صدّعني، هذا الطريق الذي اخترته و تحملت مسئوليته و لم يتحمل مسئوليتي، هذا النصر الثلاثي الذي أبدعه النصر العالمي ببطولاته و صولاته في موسم واحد يتجدد الآن، هذا الفيلم الذي أجرم فيه جاريد ليتو، هذا البلد الذي يتداعى كبرج التجارة في أمريكا، هذا الشعور الأبله الذي عصف بي لحظة قال بعد ست سنوات من الموت الهانئ: ما ننفع لبعض. هذا الرداء النيلي الذي ينتظر أن يزيد وزني خمسة كيلوات ليبدو بهياً على جسمي، هذا النص الذي سيكون بعد نشره عار على الكلمات، ساعدني لأتجمَّل مع نفسي يا الله.

Out 2014- In 2015

2

“مع الأيام بتعرف إنه بالفعل ما في أي داعي للتبرير. و إن أغلبية الناس تقرر سلفًا تفهمك خطأ عشان تطلع أنت السيئ.” – بندر خضر

1

عموماً الكتابة لا تفيدني كثيراً. لم أغيِّر تعريفي الشخصي لها، و هو مختلف عن تعريفي الأدبي. ما زالت الكتابة أنبوب الأوكسجين الذي أحتاجه اليوم أكثر من قبل خمسة أعوام ( عمر المدونة). لقد ضاق الهواء بصدري. و ضاق الكلام بحنجرتي. لذلك أنا أكتب في هذه الأيام لأتخفف، أما العوالق في صوتي و روحي فقد أدركت أنها جهنم لن يطفئها سوى الموت.

2

لقد كبرت. أوقن كم كبرت عندما أجرب نصائح المعالجين النفسيين : اكتب فقط الأمور الإيجابية التي حدثت في حياتك. لا تركز على الأحداث السيئة..لا أشخاص ولا مواقف ولا صور. همِّشها. تجاهلها و كأن شيئاً لم يكن. فعلت، و أفشل. أجبر عقلي على أن يخدع نفسه. لم أقلل من شأن أمر سعيد حدث لي. الخير الذي يأتني من الله لا أنتقصه. لكنني كنت أكذب و أعرف أن تقنية لا تكتب شيئاً سوى الأمر السعيد محض كذب و خُدع على النفس. فالعقل لا ينسى الألم و إن قطَّعته أمواج المحيط إرباً. و النفس لا تنفك تتضامن مع العقل حين تتألم. أما حين تسعد فيكون الأمر صعباً إذ تحلق في سرب مميز للمتأملين إلى فوق. عرفت في هذا العام كيف أحافظ على الآخرين مني. استطعت حماية عزلتي جيداً. فلم يحصل شخص جديد على رقم هاتفي سوى واحد كنت أحتاجه لإنجاز عمل. اتخذت قراراً بعدم الالتقاء بأي امرئ ليس من عائلتي. السماح لمن يحبونني بالدخول في حياتي ليس خطوة ناجحة. هم لا يعرفون ذلك بعد، أنا التي أعرف ما الاكتئاب الذي سيتسرب إلى أوصالهم إن هم اقتربوا. إنني مؤذية من حيث لم أسعى. هب لي يتيماً يجزم أنه سعيد, أو أن الحياة أنصفته. أي عدلٍ يُنتظر أصلاً بعد فقد الأم و الأب؟ العدالة بعد الله تتمثل في الوالدين فحسب. فإن هم رحلوا، يرحل الحقل الذهبي و تبكي النوارس. ابتعد.. أرجوك و اهرب إلى أبعد مكان عني. لن أكون صوتاً يبث الفرح يوماً. أنا فتاة كسيرة. فتاة بلا أبوين. هل تفهم؟ تخيَّل لتفهم. أو شاهد فيلماً يموت فيه أبوين لتفهم. أو اقرأ رواية يموت فيها أبوين لتفهم. أو انتظر حتى يموت أحد أبويك قبلك لتفهم. لقد ولدت كبيرة. عشت طفولة جيدة لفتاة يتيمة. لقد تمسَّكت بي عائلتي كما يمسك الغريق بقشة. إنهم النعمة التي أحسد عليها. لكن الجميع الآن كبر، طارت الطيور بأرزاقها و بنت أعشاشها في مواطن أخرى، و بقيتُ عصفوراً يبحث عن جناح أمه و أبيه لينام تحته بأمان. لا شيء عن موضوع الطمأنينة أؤرشفه في المذكرة. إنني متصدعة أكثر من كل عام. و العمليات التي أجريَت لي هذه السنة و احتار الأطباء في سبب عدم إعطاءها درجة استجابة تبعث على التفاؤل هي عمليات تداعت تحت حمى لوعتي على نفسي. ليس ممتعاً ولا مرضياً أن أكون تعسة. و لست كذلك. هنالك فرق بين الحزن و التعاسة. الطبيب لا يكون تعيساً، و أنا طبيبة. هذه أغلى ممتلكاتي التي نزفت حرفياً للفوز بها. لكنني لا أجد شيئاً يبعث على التفاؤل غير أمي و أبي. إنني فقط.. أمثل القول المؤسف، فاقد الشيء لا يعطيه.

3

….

4

اشتريت قلمين أحمر شفاه . ثلاث فساتين ( أحمر ، أسود، أزرق) ، ثلاث بجائم نوم حرير، خمسة أكواب إنجليزية، و قلادة مكونة من خيط دوبارة و زجاجة عطر حقيقي. هذه مقتنياتي التي أشتريها لأول مرة منذ ثلاثة أعوام. لم يكن هنالك متسع لشراء ملابس و أغراض شخصية في ثلاث أعوام مضت. المال قليل و يكفي بالكاد لمصروف الدواء و الكتب و بعض الهدايا الواجب منحها لفتيات في بيتنا قد يناولنني كوب ماء غداً عندما تعجز يدي عن حمله. لقد سجلت ما اشتريته هذا العام لأعترف أنني أحببت مقتنياتي و تحسنت ابتسامتي بضعة أيام.

5

لا أعرف كيف تركت نفسي للهاوية، كيف صدقت أن السعادة قد تكمن في شخص لم يمتزج دمه بدمي. شخص ليس أبي. ما حدث كان طبيعياً. و مثل حياتي غير الطبيعية مع اليُتم، كنتُ غير طبيعية في حزني و انفطاري على رحيل من لم يرغب في الامتزاج بي. لقد تعبت و شقيت لستة أعوام من أجل الحُب، من أجل من يحبني، لا من أجل من تركني. أنا اليوم عندما أراجع اسمه و ذكرياتي المحفوظة معه، أدرك أنه ليس الحُب الذي آمنتُ به. هذا أحدٌ لا أعرفه. أتمنى له الخير. لكن عليَّ التكفير عما فعلته بنفسي لأجله. فأنا لستُ مختلة عقلياً لأفعل كل ما فعلت حتى يتركني في آخر الطريق. تخطر ببالي فقط صورة العاشقيْن اللذين وقفا على جرف نهر هاربين من عدو خلفهم. قالت له لا حل سوى أن نقفز إلى النهر. هل تبدأ أولاً أم أبدأ؟ تردد ثم حسم أمره و قال ابدئي لتشجعيني. سألته: تحبني؟ أجاب: بلا شك. فقفزَت إلى النهر. و سلم نفسه للعدو و أصبح جندياً لديهم لبرهة ثم هرب و هاجر إلى بلاد محايدة. لم يسأل حتى عن مصير من أحبته، أو من صدَّقت أنها حبيبته. لقد غرقَت الفتاة و ماتت. ظلت تصارع و تنأى بنفسها على بعض الصخور انتظاراً لفارسها. لم يساورها شك في حبه لها. و لم تكن هذه قصة مختلقة في رواية أطفال. من يحب يضحي. هذا كل شيء. إن اختل منه طرف، انتفى وجود الطرفين.

6

سعيدة بالكتب الرائعة التي قرأتها. وضعت صورتها في كولاج كامل قبل تدوينة. لقد كانت الكتب أجمل شخص في حياتي هذا العام. حدثت أموراً مع قراء كانوا لسنوات أصدقاء قراءة. تعلمت درساً جديداً من تلك الأمور، القراءة التي لا تعلِّم المرء النقاء في علاقاته بآخرين لم يبثوا في طريقه شراً، هي قراءة ناقصة. لأن الارتقاء بالحس الإنساني هو سمة قرائية أياً كان نوع الكتاب المقروء. أدب، فكر، فلسفة، سياسة، علوم، تاريخ. الأساس الأول موحد. أن تطور إنسانك. ثم تحافظ عليه. إنني سعيدة بأنني لم أجرح قارئاً في حياتي. لكن هناك من جرحني، لم يكن ذكياً كفاية في استخلاص ما كان مشعاً أمامه بين صفحات الأدب العظيم المنكب عليه. و هنا الدرس. في كل مرة اقرأ كتاباً، أشعر أنها المرة الأولى التي اقرأ في حياتي. اللذة بقراءة الجَمال هي لذة مضاعفة، و هي مفتاح سعادتي عندما تضن عليَّ السلوى بالكائنات المتحركة من حولي.

7-

أجمل خمس كتب قرأتها هذا العام :

Under The Net- Iris Murdouch

فرسان الأحلام القتيلة – ابراهيم الكوني

سوناتا لأشباح القدس – واسيني الأعرج

The Bone Clocks – David Mitchell

Constance: The Tragic and Scandalous Life of Mrs. Oscar Wilde

8-

شاهدت 49 فيلماً هذا العام.

أجمل خمس أفلام شاهدتها من بينهم :

Magic in the Moonlight – 2014 – Woody Aleen

The Judge – 2014- David Dobkin

The Fault in Our Stars- 2014- Josh Boone

The Book Thief- 2013- Brian Percival

Two Days, One Night – 2014- Jean-Pierre Dardenne, Luc Dardenne

ثلاثة أفلام لن أنساها ما حييت لكن احترت في تقييمها :

The Grand Budapest Hotel- 2014- Wes Anderson

Café de Flore- 2011- Jean-Marc Vallée

The Hunt- 2012-
Thomas Vinterberg

9-

منذ ثلاثة أيام حصلت على رسالتي توصية جديدة من أستاذين هما أفضل من علموني في كلية الطب. في مادتي التشريح و علم الأوبئة. كانوا غير متواجدين عندما طلبت التوصيات السابقة منذ عامين فور تخرجي. هكذا أصبح في ملفي خمس توصيات علمية. و خطوة متقدمة لتسهيل مرحلة صعبة من مراحل البورد.

10-

عملت هذا العام في الهلال الأحمر السعودي. إنها التجربة التي نقلتني من عالَم إلى آخر. نقطة تحول علمتني أن الطبيب الذي لم يعمل في الهلال الأحمر ينقصه شيء كثير. فكَّي الحياة و الموت. هذا ما نراه كل يوم و نحاول إنقاذه قبل الوصول ميتاً إلى المستشفى. كان الأمر يسيراً علي إذ عملت سابقاً في طوارئ الحوادث. لكن المشقة كانت في رؤية المسحوقين ظُلماً، فلا علاج مناسب في المستشفيات الحكومية ولا شؤون اجتماعية تنظر إلى احوالهم. في تلك الفترة تماماً أصبت بالأنيميا. لقد خرج موضوع شهيتي للطعام عن يدي. عشت شهوراً على العصائر و قليل من حساء البطاطس و الجزر المسلوق. كان من النذالة الخروج من الهلال الأحمر لأقي نفسي ما آلت إليه حزناً على المساكين و خجلاً من ترف الطعام و هم لا يستطيعون تناوله. لكن الإيمان بالله يغلب كل شيء. اللهم كن عون عبادك الضعفاء و اشف مرضاك شفاء لا يغادر سقماً.

11

قويت كباقي الأعوام أمام بؤس العالَم. عملت، درست، شربت دوائي. لكنني لم أقوى أمام خيبة أملي فيك. ولا أمام فجيعتي و أنا أراك تكمل حياتك بأفضل ما تملك من العبث لتنفضني كرماد السجائر عن ذاكرتك. إن الصدمة هي أنني لم أفعل ما يستحق هذا الظلم. لكن كتبني أحدهم كطبيب وضع يده على الخلل تماماً: لم ترحل لأنني أخطأت. كنت تنتظر أن أخطئ مرة، لترحل.

12

مارست ثلاث عادات جديدة طوال العام و نجحت ، أوصيكم بها :

# لرفع المعنويات ( خصوصاً أثناء التعب) : ارتداء قلادة أو سوار أحبه و يمكن له العيش على جسمي دون تغير في اللون. الذهب أفصل حل بالطبع.

# وضع نقطتين من عطور الفواحة في ماء الاستحمام مرة في الأسبوع.

# تفريغ كبسولات الأدوية في علب معدنية ملونة بحيث لا يزيد عدد الكبسولات عن 10 في العلبة حتى لا يزول التعقيم. و وضعها في رف الإكسسوارات و أدوات المكياج ( تحفيز لأخذ الدواء بانتظام)

13

بيرشكا و نيويوركر سيكونان أمكنتي المفضلة لشراء ملابس الاجتماعات البسيطة لأعوام. أحببهم بنشوة.

14

مشروع قائمة نسرين في موقع اكاديميون سعوديون صنع لي سعادة و امتنان أكدوا لي أن الخير لا يزول. فالله عز و جل هو رازق الخير و من يؤمن بالله يؤمن أن الخير ليس خاماً زائلاً أو قابلاً  للانقراض. لقد قالوا أنهم يريدون عرض قصتي لأن هنالك من يحتاج إلى قدوة أو جذوة، تشعل في عزمه الأمل و القوة على أن يصنع حلمه كما يجب. هل أنا ذات نفع لهذا الهدف النبيل؟ إلهي كم أرجوك أن لا تخيب أملهم. شكراً لكم. هنا روابط للموضوع في :

موقع أكاديميون سعوديون

تغريدات الأستاذ نجيب الزامل الداعم للمشروع 

15

لا ألتفت إلى الصغائر لكن إلى معناها.

16-

رسالة إلى 2014

لك شكرين :

إنهاء الحفلة التنكرية مع سيِّد القلب الوحيد.

إعفائي من غسيل الكلى المستديم الذي فتك بعافيتي.

17-

نوايا و مقررات في 2015

1- تكثيف القراءة في تخصصي النهائي: طب و جراحة الأورام ( علم الأورام ) ، و أمراض الدم.

2- السفر.

3- نقش أذكار الصباح و المساء على جدارية أصنعها بنفسي من ورق المجلات و أعلقها في غرفتي.

4- رمضان في مكة، و المشاركة في ترتيب سفر و طعام الإفطار في الحرم.

5- مشاهدة ما تبقى من أفلام لم أشاهدها لإنجمار بيرغمان.

6- مشاهدة أفضل ما لدى السينما الإيطالية من إنتاج 2014

7- شراء آيباد .

8- الحصول على عمل بمدخول شهري.

9- مشروع تطوعي لنساء مكة المتعففات.

( مشيئة الله تسبق كل ما سبق )

رسالة إلى سعادتي المفقودة :

أمي ، أبي..

كونا راضيين عني، فحياتي مرهونة في روحيكما. طيَّب الله ثراكما.

* عندما استيقظت كانت هناك نجوم فوق وجهي

Col2014

 عنوان الموضوع مقتبس من رواية الغريب، البير كامو

.

أحيا بالقراءة. لستُ أقرأ لأتباهى بعناوين الكتب و أسماء مؤلفيها و سيَرهم مع الآخرين. هذه صنعة ممتعة و نبيلة. لكن كل امرئ لما سُخِّر إليه. أثرثر معكم عن كتاب أحببته عندما يكون كل شيء ( قد يكون أبسط شيء) مهيأ لشهوة الكلام عن قراءة ملهمة، أو خالدة.. لكن الأصل فيما اقرأ، هو ما اقرأه لتغذيتي و استشفائي من كل وصب تباطأت عنه العقاقير. نقاء القارئ له شعورٌ محسوس، مثل نفحة هواء باردة بعد ظهيرة صيف. أشعر بهذا التصوير جيداً لذلك لا أطيق من يتصنعون الهيبة التي يبعثها نقاء القراءة. أنا اقرأ لأكون أكثر صفاء في علاقتي مع الآخرين. هذا سبب ثالث، أو رابع. الأسباب الأولى هي كل ما تعرفونه عن أهمية القراءة للروح. لذلك عندما تحيِّد قراءاتي المستديمة بكثافتها و تنوعها صفاء تعاملي مع قارئ / أو كاتب، فإني ألوم ما قصرت في تعلمه تطبيقياً من الكتب. و لذلك أنا لا أنافق في عاداتي القرائية. لم يحدث أن تكلمت عن كل كتاب قضيت معه أوقاتاً مبهجة و أخرى صعبة متفاقمة الحرارة. إنني من هؤلاء الذين لا يخجلون من اتهامهم بسبغ القيمة على أنفسهم إن هم قالوا أنهم مشغولون بأشياء كثيرة تقضي على الوقت الكافي للقراءة و من ثم الكتابة عن المقروء أولاً بأول. أعرف تراكم المهمات على وقتي و ليس من أولوياتي أن أقنع قارئاً لا يريحه مني سوى حديثي عن الكتب أو لأغرُب إلى الجحيم. هؤلاء القراء فاتهم أن يتعلموا من قراءاتهم لعظائم الكتب في الأدب و الفكر و الفن و العلوم أيضاً.. أنه ما من كاتب عظيم إلا و كان يعيش حياة أخرى غير التي ينكب عليها اختلاقاً في صفحات الورق. إنَّ القارئ الذي يدّع أن واجبه كقارئ أصيل هو أن لا يتحدث في أي شأن من شئون الحياة قدر تحدثه عن الكتب و الأدب هو قارئ نصف جاهل. و نصف الجهل أكثر من ربعه! فهو لا يكفِ لقارئ نصفه الآخر متعلم كي يوصف بالأصيل أو الموالي للقراءة.  ذخيرتي هذا العام كانت أقل من عدة أعوام مضت. سبع و ثلاثون كتاباً وضعت خمس و ثلاثون منهم في لوحة الكولاج لأن كتابين انمحى اسميهما تماماً من ذاكرتي. و أدرك أن هذا لأنهم لم يعجباني كالبقية. فلم أتأسَّى عليهما. كان عاماً مكتنزاً بمعلومات و معارف قرائية قد تغطي سقف كفاية رأسي لنصف العام القادم. هذا حديث ليل يمحوه الصباح. لكنه مديح مستحق لمن منحونا أجمل ما لديهم مقابل الإمتاع. 

شكراً 2014 .. القادم في 2015 سيكون ضارياً كـ ناب غول. 

* جميع بيانات الكتب في الأعلى مؤرشفة في صفحتي على موقع Goodreads هنا 

 

* المريض هو ترنيمة الحب في المستشفى

ELLEN POMPEO, PATRICK DEMPSEY

 

عزيزتي د. ميريديث غراي.

كان يجب أن تصلكِ هذه الرسالة بكلمات مختلفة قبل ثمان سنوات. في 2005 كنت أفعل شيئين فقط، الذهاب إلى المعهد الذي بدأت فيه بدراسة A Level المشروطة لقبولي في كلية الطب بمدينة ليدز الإنجليزية، و مشاهدة حلقات Grey’s Anatomy. لم أكن حينها أفرِّق بعد بين الأفلام الوثائقية و تلفزيون الواقع و المسلسلات التخصصية. منذ الحلقة الأولى من المسلسل والتي حملت عنواناً يعبر عن بداية هجومية A Hard Day’s Night ( يا حلو تلك الليالي!) حتى الحلقة الخامسة Shake Your Groove Thing و أنا أعتقد أن هذا تسجيل واقعي لحياة أطباء امتياز أثناء العمل. لم أكن قد شاهدت لأي من أبطال المسلسل فيلماً من قبل. هذه قصة تطول عزيزتي الدكتورة. في بلدي، منزلي تحديداً، لم يتواجد على شاشتنا قناة أفلام. كبرنا على أفلامكم القديمة. كانت تنقل على قناة السعودية الأرضية. الفيلم الذي مدته تسعون دقيقة ينقل على القناة الثانية الإنجليزية ب 60 دقيقة في أفضل الأحوال، إن كان الرقابي يومها راضياً على زوجته ربما. أشبه الإنجليز، أشعر بالسخرية من أمور كثيرة مثيرة للضحك لكنني أفشل في إيجاد التعبير المناسب للتهكم عليها. في مسلسلي المفضل Grey’s Anatomy أبدو مثل مستنسخة جزئياً من مزاج د.كريستينا. 2005 أول موسم للمسلسل و أول عام في ليدز و أول ذكريات مع مسلسل أشاهده لأول مرة بكامل الاستمتاع و الحرية و الدهشة و إحساس لازمني حتى لحظة كتابة هذه الرسالة بأنكم فعلتم كل هذا الإنجاز لتكونوا بجواري عندما عانيت من الخوف و الرعدة بعد قراءة شروط القبول في كلية الطب و التورط بالقبول المبدئي فعلاً، كان لكم دوركم في وضعي داخل المرحلة النهائية و الحاسمة لطالب الطب..الامتياز. قلَّما شعر طالب طب بهذا التحول المقرون بعمَل. كنت أحمل شهادتين من بلدي ذات علاقة صحية : شهادة اجتياز لدورة الإسعافات الأولية ، و شهادة إتقان مبادئ التمريض العام ولم تكن رسمية. إذ أنني حصلت عليها من مستوصف كان يقبل توظيف غير الممرضات و تعليمهم أمور التمريض داخل المستوصف لمدة ثلاثة أشهر مع التدريب ثم توظيفهم و إعطاءهم شهادة اجتياز موقعة من مالِك مجموعة المستوصفات و مدير فرعها الذي كنت أعمل فيه. كان حظي مبتسماً عندما احتجت إلى عمل أول إقامتي في ليدز. حصلت بعد مقابلة شخصية و اختبارات سريعة على رخصة عمل مؤقتة و عملت في عيادة مستقلة لطبيبة انجليزية و نلت إعجابها و مساعدتها أيضاً عندما علمَت أني بدأت بخوف للتو في دراسة المرحلة المشروطة للقبول في كلية الطب. عزيزتي د. ميريدث، هل تعلمين كيف استرقت إعجاب طبيبتي الطيبة؟ كنت أتقمص طريقة عملك و عمل كريستينا و أقلد تقنيات تعلمتها أثناء مشاهدة ( تمثيلكن ). السرعة في انقاذ المصاب مثلاً مع التحدث بصوت مسموع عن الحالة : رصد الملاحظات، التشخيص المبدئي. كنت حذرة من قول أية فكرة أو اقتراح أو سؤال حتى عن العلاج. صلاحية الطبيبة، لكنها كانت تأمرني بالبقاء معها أثناء كتابة تقرير الحالة و تتعجب من أنني لم أمارس تمريضاً أو عملاً من قبل سوى ثلاثة أشهر كنت خلالها أتدرب للحصول فقط على شهادة تمريض عام و إن لم تكن معتمدة. بعد سبعة أشهر من العمل في عيادة الدكتورة آن، حان وقت اختبارات مصيرية للمرحلة ما قبل الأخيرة من ال A Level فقدمت استقالتي من العمل لأن الخوف من الفشل في الاختبارات أمرضني و فقدت قوتي على الجمع بين مجهودين. سألتني دكتورة آن عن أي شيء أود قوله لها عن طريقتي الغريبة في إتقان بعض الأمور التي يجب لفتاة في سني أن تكون للتو بدأت بتعلُّمها، أخبرتها كل شيء عنكِ و عن كرستينا و عن المسلسل و أثره العام على شخصيتي. لم يثر اهتمام الطبيبة تعلقي بالمسلسل فقد كان ( المراهقون ) معروفون بحبهم لكم، لكنها اهتمَّت باعتقادي أنكم أطباء حقيقيون. فصححَت لي كل شيء، و قالت لا تخجلي فإحدى رسائل الفن هي أيضاً التعليم. المسلسل الذي تحبينه جعلني أطمئن عليك، لم تقعي في فخ المسلسلات التي تعلم المرء كيف ينحرف و يكون فخوراً بتقليد المنحرفين. إنني أقص عليك هذه الذكريات لأنني كلما شاهدت شارة المسلسل اليوم أو اقتباسات موقع tumblr و twitter لحواراتك و صورك أشكرك. لأنني قد أكون من القلائل الذين لم يقعوا في مشاكل أول عام دراسي في الطب.. المشاكل التعليمية. بدأت و بحوزتي خلفية لا بأس بها عن جميع مواد المستوى الأول و لم يكن الفضل في كتب طبية فأنا لست مثالية أو ذات نظّارة بعدسة سميكة إلى هذا الحد. الشغف بمواقع الانترنت المهتمة بالتعريف عن الأمراض و مسبباتها و شرح آلية نشاطها في جسم الإنسان بالصور و الفيديو و من ثم مسلسل Grey’s Anatomy كانوا رفاقاً مفعمين بحيوية و حب للعمل و حرص على ابتسامة المريض، مميزات جعلتني أكتشف ما الذي أحبه في أصدقائي. أشكر كرستينا أيضاً، لكنني سأخص كرستينا برسالة فيما بعد.

عزيزتي ميريدث. لو كنت تعرفينني في ذلك العام لتمهلتِ مراراً قبل التفكير في مغازلة دكتور ديريك. بالطبع.. يا عزيزتي بالطبع كان يخصني! منذ اللقطة الأولى، بدا لي أن هذه مواصفات البروفيسور المثالي الذي يجب أن تتدرب تحت رئاسته طالبة مجتهدة مثلي! لا تصدقي أنني أمدح نفسي، هذه سخرية نتيجة اكتشافي أن الدكتور ديريك البطل العظيم منقذ الأرواح البشرية و الأعصاب الميتة ما هو إلا الممثل باتريك ديمبسي الذي قام بالدورين الفاشلين في الفيلمين عديمين المزايا Flypaper و Valentine’s Day. أظنني أسمع صوت تنهيدتك المطمئنة الآن بعد وصولكِ إلى هذا السطر. لا أحد يهدد حبكما عزيزتي، فقد ارتبطتُ برجلٍ يفوق رجلكِ وسامة. ما يثير أسايَ أنني تعرفتُ عليه بعد اكتشاف أن كل ما يحدث في المسلسل محض تقمص. أحترم جهودكم في تعلُّم الطب ربما من أجل إتقان الأدوار و جعل كل شيء يبدو حقيقياً. لو لم تبرعوا في هذه النقطة لما اعتقدتُ أنكم حلقات من برنامج الواقع. لكن الذي يبهجني يا عزيزتي و يهمني قوله لكِ أن تمثيلك لم يتفوق على نشارة الذهب المنتثرة من روحك بلا تزييف. لقد صنعتِ في قلبي نجمة حتى من ضحكتك. لم أتزوج بعد عزيزتي، لكن الرسائل التي تلقيتها من أسلوب تعاملك مع المشاكل الزوجية و رعونة ديريك عندما يتفاقم اهتمامك و ارتباككِ أنتِ و ارتكابـك للأخطاء عندما يتأجج حب ديريك.. كل هذه كانت تبعث دقائق أمامية في ملامح عُمري فتكسبه صبغة الأكبر مما يبدو عليه.

بكيتُ معكِ عندما بكيتِ على أمك. الزهايمر يشبه السرطان في كونه رحمة، يختلف عن السرطان في كونه تعاسة لحامليه ممن امتلكوا حياة سعيدة مع أشخاص صنعوا سعادتهم معهم ولم يكونوا مستعدين لنسيان ذكرياتهم الجميلة معهم. لقد أسعدني أن تكوني ابنةً بارة. لكنني لم أتمنى أن تكون أمي على قيد الحياة عندما شاهدت حزنكِ على أمك. خفت من احتمال أن تعيش أمي مصابة بمرض يسرق جمالها و ذاكرتها و يهديها زهراً مجففاً برائحة مستعارة طعّمه بها هواة الأعمال اليدوية. أعرف الآن أن الرحمة متعددة الأشكال و الأسماء.

بعد عودتك إلى د.ديريك ، بعد طلاقه من زوجته، قرفت منك قليلاً. غلبتني اعتبارات الكرامة و فضائل شرقية لا وقت لشرحها لكِ في هذه الرسالة. لم أكن قد جربت الحب بعد. لذلك في 2007 ( الموسم الثالث) انغمست عمداً في نشاط صعب بجانب سنتي الأولى في كلية الطب، بعد وقت كافٍ سقطت صريعة غيبوبة استمرت ثلاثة عشر يوماً، ليس صادقاً القول أن مخلفات ضغط ما أوقعت به نفسي بعيدة العلاقة. لكنها إصابتي بمرض ما، قد أقص عليكِ يوماً حكايته و ماذا فعل بي إلى هذه الأثناء. و أعلمُ أنكِ لن تستدعيني لجلسة كشف ودية. فسأكون حينها أنا الغالبة و أنت المغلوبة، إذ أنني الطبيبة الحقيقية و أنتِ الممثلة الصادقة المؤثِّرة. تركتُ مشاهدة سبعة عشر حلقة من الموسم، و لم أهتم جدياً بمعرفة ماذا حدث في النهاية. لكن عند الإعلان في العام التالي عن قرب بث الموسم الرابع، سارعت بمشاهدة الحلقات الفائتة في ثلاثة أيام! في ذلك الوقت كنت قد فزت بالحب. فعرفتُ أن أكثر القرارات صواباً هو عودتك إلى ديريك. فعقدت معك صلحاً أثناء فراغ غرفة الأطباء منكِ و من زملائك بعد انتهاء مناوبتكم ذات ليلة.

مشاهد الزواج في الشاشة و على الواقع، ليست من الأمور التي تثير أنوثتي و أحلامي الوردية للفارس الخيال على الفرس البيضاء. أنا لست من تلك الفتيات، هن أسعد مني بكثير. فرحتُ و أذكر جيداً ملوحة دمعتي التي طفرت عند مشهد الزواج الذي اهديتِه لإيزي و اليكس. كما لم أحمل حقداً قدر الحسرة عليكما أنتِ و ديريك عند زواجكما بطريقة أقل من تعلقكما الذي فاق ما يمكن تسميته بالحُب العظيم. شعرت أن ذلك الفعل كان خللاً في وتيرة الواقع في سير القصة و انحيازاً لجانب المبالغة في المثالية عندما يخص الأمر أبطالاً يعتنقون الحُب و الخير. لكن الفرح بأنكما تزوجتما حقاً كان سيّد الموقف.

تجربة علاج الزهايمر الذي قمتما به أنتِ و ديريك كان حافزاً جديداً و آخراً لبحث قمتُ به على موضوع آخر. كان قد تبقى لي أقل مما نجحت فيه لأصبح متدربة في مستشفى أقوم باختياره بنفسي. هذه إحدى الأمور التي أحببتها في نظام تعلم الطب ببريطانيا. لكنني لأسباب لا وسع لشرحها في هذه الرسالة أيضاً، تدربت بعد التخرج في غير المستشفى الذي اخترته و قد عرفت بعد أول أيامي فيه أن الله يحبني، اختار لي ما أستحقه بدقة إلهية لا يُشكر عليها سواه. هذه الأمور التي تخص الله ( ما تسمونه بالرب) موجودة أيضاً في ديانتكم. لذلك لن يشق عليكِ فهم إيماني. نجح بحثي عن موضوع يتعلق بخواص غير مُنتبه إليها لنشاط اللوكيميا في اجتذاب اهتمام مشرفي في المستشفى الذي كنا نتلقى فيه محاضراتنا التطبيقية. كان يجب الحصول على بعض التراخيص و الأذونات للانتقال بالبحث إلى تجربة. لكنني وقعت مرة أخرى في دائرة مرض كادت أن تشنقني و تنهي كل ما بنيته في خمسة أعوام. عندما استطعت المشي اكتفيت و اكتفى مشرفي أيضاً بتأجيل موضوع البحث إلى أجل غير مسمى و التركيز على انهاء سنتي الدراسية بنجاح ذي معدل موازٍ لما سبق، فقد كان الحصول على معدل أعلى ضرب من الجنون. كنت أشاهد في ذلك العام حلقات المسلسل و أبتسم لابتسامتك و قوة الحب الذي استمد طاقته منكما أنت و ديريك. لكني كنت بدأت أوقن أيضاً أن عليَّ عدم الإفراط في التأثر بكم لأن الواقع حط بي على أرض معاكسة لما تفعلونه تماماً. ما وقع تحت يدي من مصابين بحوادث عنيفة لم يكن كما الذي رأيته منها على المسلسل، الذي بين يدي واقع أصاب يدي بالرجفة، الذي في المسلسل ألوان و صبغ لتحويل السليم إلى مصاب يرسل تفاعلاً نفسياً مع مظهره المصاب لا أكثر. النجاح الذي دونته في مذكراتي في 2010 إضافة الى روتين النجاح السنوي في الكلية، هو النجاح في صنع نجمتي الخاصة بي، تلمع في سماء غير قريبة منكم، ولا في مناخ متأثر بمناخكم. أخيراً أصبحت أنا. لا أنتم. و منذ ذلك العام حتى اليوم لم أفكر في تقليد ما تفعلونه مع أي حالة شبيهة بما تعرضتم إليه من حالات في المسلسل.

عزيزتي د. ميريديث.

هل كرهتِ الجراحة عندما أجبرتِ على التخلي عن تخصصك بعد حادثة اديل التي كشفت عن إنسانكِ الأقوى من قانون المهنة؟ في البداية ظننت أن الإجابة نعم. رغم مهارتكِ في الجراحة من الموسم الأول. لكنني كنت أتفهم أن نجبر على اختيار أمر بديل عن آخر حتى إن كنا نحب كلا الاختيارين. القسوة تقلب الأمور و تزيد من سوء العاقبة. كنت أشجعكِ و أرسل لكِ كلمات مساندة من خلف الشاشة. قلت لك بصوتٍ عالٍ أن عليكِ الفخر بما فعلتِ ولا بأس بخسارة ديريك إذ أن الحب قد يستريح لكنه لا يموت ما لم يقتل غدراً. تمنيت لو أنكِ طبيبة حقاً، لأريكِ سجل تاريخ عملياتي التي نجحت فيها جميعاً رغم أن الجراحة لم تكن اختياراً بل جزءاً من مقرر التدريب. لدي قصة و مواقف و ذكريات مما تسمى ” علامات فارقة” أي تبقى ما بقي العُمر. ليس مسلياً قصها لصديقة عادية. كنت سأحيا بلحظات فرح عديدة لو أن حظي وهبني صديقة طبيبة.. انجذب إليها بنفسي، لا تحاول هي استمالتي.

د. ميريديث العزيزة،

صداقتك و الدكتورة كريستينا كانت هدية معنوية لي من حيث ظننتم أنها رسالة للمجتمع عن عواطف الأطباء و قدرتهم على التحول إلى ملائكة عندما يغمرهم الحب و تقوِّهم زمالة التجربة في بيئة خطَر. لم تكن زميلاتي ذات روح فواحة تشجع على التقرب منهن، أو قبول من حاولن التقرب ليس إعجاباً فيَّ، بل في طريقتي في المذاكرة و الحرص على اكتساب حالات يكلفني المشرف بمهمة لكل منها تزيد أرقاماً في جدول تقييمي، و أحياناً فضولهن في اختراق عقلي كفتاة سعودية ………. أشعر أن إكمال هذه الجملة هراء سئمنا كما سئمتم من إعادة ما ورائها مثل روتين سياسي يحترف التحريف. لستُ بحاجة إلى أن تكوني طبيبة خارج المسلسل لأقص لكِ عن صداقة العمر التي تجمعني بفاتن و نجوى. صديقتاي اللتان تحلان محلي في كل ما يتصل بي من أماكن إن غيَّبني الرحيل الأبدي يوماً، عدا مكاني في البيت و المستشفى، و هما ليسا المكانين الأغلى ذاكرةً في حياتي رغم أنهما الأكثر أهمية على الإطلاق. عرفت فاتن و نجوى عليكما أنت و كريستينا. كان شرطهما الوحيد لمشاهدة المسلسل من الموسم الأول ( كنتم قد وصلتم إلى الموسم التاسع آنذاك) هو أن أشاهد بدوري مسلسل The Mentalist، المفضل لديهما. إليك هذا الكشف، مينتاليست الآن هو مسلسلي الثاني بعد Grey’s Anatomy. ليس لأنه اختيار صديقتاي. بل لأنه كل شيء لا بد أنكِ ستعرفينه بنفسك إن شاهدت المسلسل و باتريك جين الذي تفوق على باتريك ديمبسي في اكتساب التعاطف بعد إقناع المشاهد أنه يستحقه. مثلاً، استحضار الازوادجية ما بين ذكاء العقل و ثأر العاطفة حين يكون باعثها حادثة _ وفاة الزوجة و الطفلة_ لا صناعة أو طموح نفسي من الشخصية. صداقتنا أنا و فاتن و نجوى بعد مشاهدة المسلسلين أخذت مناحٍ مثيرة لأي مزيد من المودة، كنا نجهل هذه الأمور التي تخص ذائقتنا الفنية قبل تلك المرحلة. كانت تغزو علاقتنا مبكراً قبيلة ملل قليلة الأفراد. روتين الحديث و المتعلقات التي نتجادل حولها كانت خيول القبيلة! استطعنا بعد اكتشاف الجديد عن كل واحدة منا ضخ اوكسجين طازج النقاوة أحيا العاطفة من حيث بدأت و نحن أطفال.

عزيزتي د.ميريديث.

خطتي الواقعية التي أجدول لها، زيارة رسمية لمستشفى سياتل. فهل سأجد سماعتك الطبية أو دفتر مذكراتك الصغير منسياً أسفل دولاب الملابس في غرفة الأطباء؟ قد أحتاج إلى اقتراض شيء من أغراضك إن أنستني المسرَّة اصطحاب أدواتي معي.

قصاصة وجدتها في نفق ضيق

cover-puppen

* أن تحبني.. يعني أن تشعر في حزني عندما آوي إليك.

لكنك لا تشعر بشيء جيد عندما يتعلق الأمر بي. فتاتك التي قلت لها بقوة جبل قوي يقوم بثبيت الأرض لتحافظ على توازنها : أنا معك إلى الأبد.. بس ابيك تثقين بهالشي. كان كلامك هباءً لكنك لا تشعر بشيء. طلبت أن يكون رباطنا المقدس free. ولم تر في هذا ذنباً. عيناك التي رأيتُ فيهما الكوْن، لم تبصر ذنباً إلا ذنبي. و احتفظَت بكل ذنوبك نثار إكليل مذهَّب على كتفك كالنياشين. تفعل كل شيء يغنّي: أكرهكِ. و تصرخ كمن حلَّت عليه كارثة عندما أفهم ما تقول، لتعاكس حرثك: لا تسوين نفسك فاهمة كل شي. تعود فتصرخ، لمَ تصرِّين على الكلام معي؟ أنا مشغول. ملحوق على الحب بعدين. عفويتك هي التي ترمي كل شيء في وجهي. صار الحب تفاهةً ملحوقٌ عليها إذن؟ لأنك معلِّمي، أعرِفُ الآن فقط أن أحداً ممن أشعل الحروب في العالَم و شرَّد الأبرياء و قتَّلهم لم يكن مخطئاً. كان يقوم بما يفترض عليه القيام به من مواضيع هامَّة، ذلك أن الحب الذي كان سيبني المدينة الفاضلة.. تفاهة لها وقتها المسجى عندما يحتاج المزاج إلى فقْد و لعِب. إن كنت تحبني، كنت ستعرف أنني رغبت مراراً أن أكلمك لا لموضوع مهم عن الثروة البترولية أو مشروع عن صنع قنابل نووية تحصد العدو، بل لأن بحوزتي شيء أكثر أهمية بالنسبة إلى عروتنا الوثقى، خوفي منك. حزن اجتاحه احتياج إلى تبديده بك، لا بذاتيَّة قلبي الذي لم يتعلق بعنقك الأسمر كغريق كي يبقى يبدد كدره لوحده, كاللص الذي يدفن جثة خلسة تحت حديقة بيت رجل وثق بأمانته. يا لتفاهة الحب، هي ما جعلتني أندم أنني جرحتك من حيث ظننت أنني أحمي نفسي من صدك إن رأيتها على غير شاكلة شهية في وجع أليم. يا لتفاهة الحب، هي ما أمرضتني و أعدمَت إنتاجيتي كل هذه الأيام. هي ما طرحَت فيض نفسك إذ كنت تنتظر أن تزلق قدمي من على تلك الدرجة العالية في السلَّم لتقرر فجأة أن فك اللحام هو الحل . تفاهة الحب هي ما استمرأت غضبي على نفسي إذ فشلت في الحفاظ على الجناحين خلف ظهري أبيضيْن. أفرِّق جيداً الآن بين سواد الشامة حين تقف فاتنة على الشفافية و بين نقطة خطيئة تقف ثاقبة على الرقة فتثقبها ثقباً يقبل الرتق إن كانت يد الخياط ماهرة. و في أول العام المقبل كنا سنجد عشاً نستبدل فيه الجناح بآخر جديد كثوب العيد. كل هذا يحدث إن كان الحب هو الراعي. كل هذا لا يحدث إن كان الغل هو الوصي. كل هذا إن كان القلب الحزين ذنبه الأخير هو الطيبة _ يا لصوت الاستهلاك في هذه الكلمة_ فعليه أن يبوح لله لا لك بأن قرِّب لي يا رب الأنس و السلوان و احشُم نفسي عمَّن أحببته فكرهني.

سيظن الذي يعبر من هذا الرثاء أنه عني و عنك. وحدك أنت تعرف أن كل هذه الكلمات تتعلق بدمية خشبية، كسرَتها يد رجُل تعثر بها أثناء دخوله إلى البيت ناشداً قيلولة لا تؤجَّل.

* العبارة بالأزرق للكاتب فهد العودة.